حسناء ديالمة
151
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
هذا ما أشار إليه الإمام بقوله : « كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد وهو أقرب إليهم من حبل الوريد يسمع كلامهم ويعلم أسرارهم ، لا يخلو منه مكان ولا يشغل به مكان ، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان ، تشهد بذلك آثاره وتدل عليه أفعاله » « 1 » . فتأكيد الإمام على تعريف الباري تعالى بصفاته وأسمائه نابع من آثارها التربوية في الإنسان ، فكلما ازدادت معرفة الفرد بهذه الصفات ازداد حبّا للّه وذكرا وخشوعا له ، من هنا نجد كثيرا من المواقف التي يلفت الإمام أنظار الناس إلى معرفة حقيقية للّه تعالى ومنها كلامه : « يا من يشكر اليسير ويعفو عن كثير وهو الغفور الرحيم » « 2 » . هذه الصفة الإلهية التي يريد الإمام تعميقها في النفوس ، توحي بأنّ اللّه تبارك وتعالى يتقبّل القليل من الطاعة ويعطي الكثير من الثواب ، فهذه المعرفة تعدّ دافعا قويّا للتوجه إلى العمل الصالح والإحسان . وكذلك لم يغفل الإمام عن الصفات التي تترك انعكاساتها المباشرة على سلوك الفرد ومنهجية حياته ومنها وصف الباري بالسميع والبصير الذي ورد في كثير من الآيات القرآنية فقال الصادق : « من علم أن اللّه يراه ويسمع ما يقول ويعلم ما يعمل من خير أو شر ، فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال ، فذلك الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى » « 3 » . فهاتان الصفتان - السميع والبصير - تلقيان في قلوب المؤمنين السكينة من حيث كون يد العناية والحماية الإلهية معهم في كل حال ، ومن جهة أخرى فإنهما تنطويان على تحذير خفيّ للمؤمنين ليراقبوا أقوالهم وأعمالهم ؛ لأن اللّه محيط بها علما . وهكذا يرى الإمام لأسماء اللّه الحسنى وصفاته طابعا عقديّا ، فيرى بها تكميل المعارف الإلهية عند أبناء المجتمع ، إلى جانب أثرها التربوي في تكامل النفوس الإنسانية من روح مراقبة اللّه وحبّه . فهو لم يكتف بإيجاد القناعة الإيمانية في العقل فحسب ، بل يغذّيها برعاية العواطف ومشاعر الحبّ والخوف والإجلال عن طريق تعريف اللّه بصفاته وأسمائه ، ذلك لأنّ الإيمان باللّه لا يستقرّ ويثبت لدى الإنسان إلّا بقوة من دعامتي العقل والعاطفة معا .
--> ( 1 ) الصدوق ، من لا يحضره الفقيه ، ج 2 ، ح 2325 . ( 2 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب الدعوات ، ح 28 . ( 3 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 172 ، ح 3 .